ابن عجيبة
528
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
إِنْ تَدْعُوهُمْ أي : الأصنام لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ ؛ لأنهم جماد ، وَلَوْ سَمِعُوا على سبيل الفرض مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ ؛ لأنهم لا يدّعون ما تدّعون لهم من الإلهية ، بل يتبرؤون منها . وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ ؛ بإشراككم لهم ، وعبادتكم إياهم . ويقولون : ما كُنْتُمْ إِيَّانا تَعْبُدُونَ « 1 » . وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ أي : ولا يخبرك بالأمر على حقيقته مخبر مثل خبير به ، وهو اللّه تعالى ؛ فإنه خبير به على الحقيقة ، دون سائر المخبرين . والمراد : تحقيق ما أخبر به من حال آلهتهم ، ونفى ما يدعون لها . أو : ولا يخبرك أيها المفتون بأسباب الغرور ، كما ينبئك اللّه الخبير بخبايا الأمور وتحقيقها ، أي : لا يخبرك بالأمور مخبر هو خبير عالم به ، يريد أنّ الخبير بالأمور وحده هو الذي يخبرك بالحقيقة ، دون سائر المخبرين . والمعنى : أنّ هذا الذي أخبرتكم به من حال الأوثان هو الحق ؛ لأنه خبير بما أخبرت به . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : قال الشيخ أبو العباس المرسى رضي اللّه عنه : يولج الليل في النهار ، ويولج النهار في الليل . يولج المعصية في الطاعة ، ويولج الطاعة في المعصية . يعمل العبد الطاعة فيعجب بها ، ويعتمد عليها ، ويستصغر من لم يفعلها ، ويطلب من اللّه العوض عليها ، فهذه حسنات أحاطت بها سيئات . ويذنب العبد الذنب ، فيلتجأ إلى اللّه فيه ، ويعتذر منه ، ويستصغر نفسه ، ويعظم من لم يفعله ، فهذه سيئة أحاطت بها حسنات ، فأيتهما الطاعة ، وأيتهما المعصية ؟ ه . أو : يولج ليل القبض في نهار البسط ، وبالعكس ، أو : يولج ليل الحجبة في نهار الكشف ، ونهار الكشف في ليل القطيعة ، يتواردان إلى حال طلوع شمس العرفان ، فلا غروب لها ، كما قال الشاعر : طلعت شمس من أحب بليل * واستنارت فما تلاها غروب إنّ شمس النهار تغرب باللي * ل وشمس القلوب ليست تغيب « 2 » . قال القشيري : يولج الليل في النهار ، تغلب النّفس مرة على القلب ، وبالعكس ، وكذلك القبض والبسط ، فقد يستويان ، وقد يغلب أحدهما ، وكذلك الصحو والسكر ، والفناء والبقاء ، وآثار شموس التوحيد ، وأقمار المعرفة على ما يريد من إظهارها على القلوب . ه . فهذه كلها يولج أحدها في الآخر . ولا يعرف هذا إلا من تحقق بفقره إلى اللّه تعالى ، كما قال : [ سورة فاطر ( 35 ) : الآيات 15 إلى 17 ] يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ( 15 ) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ( 16 ) وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ ( 17 )
--> ( 1 ) من الآية 28 من سورة يونس . ( 2 ) البيت من الخفيف ، وهو للحلاج . انظر ديوانه ص 23 ، وصلة تاريخ الطبري 11 / 87 .